حسن بن موسى القادري

207

شرح حكم الشيخ الأكبر

43 - لا يقدر أن يتصرّف في الأكوان إلا من كان له الحق السمع ، والبصر ، واللسان في قوة الدليل للحكم المذكور . فحينئذ يكون قوله قدّس سرّه : ( لا يقدر أن يتصرّف في الأكوان إلا من كان له الحق السمع ، والبصر ، واللسان في قوة الدليل للحكم المذكور ) أي : لا يصلح من يربي الخلق إلا من كانت صفته من صفة الحق ؛ لأنه لا يقدر أن يتصرّف في الأكوان أحد من الآحاد إلا الرجل الذي كان الحق تعالى لذلك الرجل سمعا ، وبصرا ، ويدا ، ولسانا ، ورجلا فبه يسمع ، وبه يبصر ، وبه يبطش ، وبه ينطق ، وبه يمشي ، كما ورد في حديث النوافل المشهور وهو : « لا يزال يتقرب إلي العبد بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعا ، وبصرا ، ويدا ، ولسانا ، ورجلا ، فبي يسمع ، وبي يبصر وبي يبطش ، وبي ينطق ، وبي يمشي « 1 » » ، فالعبد في هذا المقام تغلب حقّيته خلقيته ، فيشاهد نفسه في مرآة الحق ، فيكون العبد في هذا المشهد هو الظاهر واللّه مختفيا فيه ، فحقا الفاعل والمدرك هو العبد ، والحق آلة له ، فلا يعقل ، ولا يدرك إلا بالحق ، ولذا يصلح للتربية لكون قواه وجوارحه وأعضائه حقا ، وسيأتي الكلام في هذا البحث أيضا إن شاء اللّه تعالى . 44 - تترك الوسائط ، ما لم تصر من البسائط . ولمّا كان السبب الكامل في هذا ترك الوسائط وهو موقوف على التجريد ، والانفراد عن كلّ شيء ، أشار إليه الشيخ قدّس سرّه بقوله : ( تترك الوسائط ، ما لم تصر من البسائط ) أي : لا يمكن لك أيّها السالك الطالب للوصول ترك الوسائط ، والعلائق ، ولا تقدر عليه ما لم تصر أنت من البسائط ، ولا تقبل التركيب بوجه من الوجوه ، ولا تتعلق بشيء مما سوى مطلوبك ، فكل بسيط يناقض المركّب ولما المركب لا يكون إلا مع غيره مع أن ذلك الغير بسيط في أصله ، فالنقطة بسيطة لا يتوقف حصولها على شيء ، والحروف كلّها موقوفة عليها ، ومركّبة منها ، فالبسيط هو الأصل ، والمركّب هو الفرع ، وما في الأصل ليس في الفرع ، ألا ترى أن الأمس الإلهي إذا كان من الحق تعالى بدون الوسائط لا يتخلف المأمور أبدا ، وإذا كان بالوسائط فقد يتخلف وقد لا يتخلف ، مثلا

--> ( 1 ) تقدّم تخريجه .